محمد متولي الشعراوي
10889
تفسير الشعراوي
أنها تدعو له ، وهي في الحقيقة تدعو عليه تقصد : أقرَّ الله عينك . يعني : سكَّنها وجمدها بالعمى ، وأتمَّ عليك نعمتك . وتمام الشيء بداية نقصه على حَدِّ قول الشاعر : إذَا تَمَّ شَيء بَدَا نَقْصُه . . . ترقَّبْ زَوَالاً إذاَ قِيلَ تَمّ أما القرُّ بمعنى البرد ، فمن المعلوم عن الحرارة أن من طبيعتها الاستطراق والانتشار في المكان ، لكن حكمة الله خرقتْ هذه القاعدة في حرارة جسم الإنسان ، حيث جعل لكل عضو فيه حرارته الخاصة ، فالجلد الخارجي تقف حرارته الطبيعية عند 37 ْ ، في حين أن الكبد مثلاً لا يؤدي مهمته إلا عند 40 ْ . أما العين فإذا زادتْ حرارتها عن 9 ْ تنصهر ، ويفقد الإنسان البصر ، والعجيب أنهما عضوان في جسم واحد ، فهي آية من آيات الله في الخلق ، لذلك حين ندعو لشخص نقول له : أقرَّ الله عينك يعني : جعلها باردة سالمة ، ألاَ ترى أن الإنسان إذا غَضِب تسخنُ عينه ويحمّر وجهه ؟ فالمعنى هنا { قُرَّةُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ } [ القصص : 9 ] يعني يكون نعمة ومتعة لنا ، نفرح به ونقنع ، فلا ننظر إلى غيره . وفي موضع آخر يشرح لنا الحق سبحانه قُرَّة العين : { قَدْ يَعْلَمُ الله المعوقين مِنكُمْ والقآئلين لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البأس إِلاَّ قَلِيلاً أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَآءَ الخوف رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت } [ الأحزاب : 1819 ] . فهؤلاء تدور أعينهم هنا وهناك كما نقول نحن : ( فلان عينه لا يجة ) يعني : لا تهدأ ، إما من خوف ، أو من قلق ، أو من اضطراب ، وهذا كله ينافي قُرَّة العين .